ما هي خصائص الثورة المضادة؟

[\ [\

ما هي خصائص الثورة المضادة؟

By : Mohammed Bamyeh محمد بامية

 

كما أن هناك رد فعل لكل فعل، هناك ثورة مضادة لكل ثورة. الثورة المضادة ظاهرة طبيعية، كما هو رد الفعل التالي على الثورة المضادة. ولا تنتصر إحداهما على الأخرى إلا إذا كان رد الفعل أفعل من الفعل الأول. وهذا لا يتم الا إذا أضاف طرف من الطرفين إلى ردّ فعله فهماً أعمق لطبيعة عدوّه. وهنا فقط، من خلال الفهم الأعمق، يرتفع ردّ الفعل عن طبيعته الميكانيكية، ويصبح أداةً لمعرفة فاعلة وجديدة. ولذلك لا يُعوّل على كلام فضفاض عن ثورة مضادة، إن لم يتضمّن هذا الكلام محاولة لفهم ماهية هذه الثورة المضادة.

للثورة المضادة وجهان كما للثورة وجهان، وجه مؤسساتي ووجه نفسي. الوجه المؤسساتي يتعلق بامتلاك مؤسسات حاكمة أو مؤثّرة في المجتمع، بينما يتعلق الجانب النفسي بالصراع على التوقعات والآمال والرؤية والعادات والروح التي أنشأت الثورة أو برزت من خلالها.

تمتلك الثورة المضادة بشكل عام  من القدرات المؤسساتية أضعاف ما تمتلكه الثورة، ولذلك يكون لها غالباً اليد العليا في هذا الصراع في حال لم تتمكن الثورة من الاستيلاء على هذه المؤسسات أو تحييدها أو تدميرها، أو إن لم تتمكن من إنشاء مؤسسات موازية قوية. وتشمل المؤسسات التي توظفها الثورة المضادة لصالحها القوى الأمنية وأجهزة الدولة القوية الأخرى والإعلام  والقضاء، ويمكن أن يضاف الى ذلك شبكات رجال الأعمال الكبار. ولكن الجانب المؤسساتي لا يكفي لانتصار الثورة المضادة، لأن هذه المؤسسات كانت دائماً موجودة، ولم يكن محض وجودها كافياً لمنع الثورة من الولادة. الثورة المضادة تحتاج إذن إلى القضاء على روح الثورة، وبدون هذا الإنجاز تستشعر الثورة المضادة خطراً دائماً، يهددها من ناحية لم تحتلها بعد، ألا وهي نفسية الإنسان الذي أنتج الثورة. 

ظهرت هذه النفسية الثورية النادرة في المراحل الأولى من ثورات الربيع العربي، وتميّزت بأخلاق واعتقادات تختلف كُليّاً عن النفسية اليومية المعتادة لهذا الإنسان. وهذا يعني أنها كانت نفسية مختبئة في مكان ما، تتطلّب فقط أن تدعوها لحظة ذات مناخ تاريخي مُعيّن إلى البروز. وكانت أهم مكوناتها الثقة بالنفس وبالمجتمع، ورؤية تقول إن صانع التاريخ هو الإنسان العادي وليس القائد المُنقذ المُخلّص، وإيمان بشيء مُجرّد يُسمّى "الشعب" كمصدر لكل شرعية، بما فيها شرعية ثورية تخالف القانون والدستور إذا اختلفا معها، وإيمان بأن الثورة ستنسف كل ما يقيدها وتُنشئ مجتمعاً جديداً خالياً من الاستبداد والفساد والظلم، واستعداد للتضحية نما مع شعور بأن الإنسان المُشارك في الثورة هو الثورة، وهو الشعب.  ولذلك كان على الثورة المضادة أن تُنظّم صفوفها ليس فقط لإعادة الحياة لمؤسسات النظام القديم بوجه جديد، ولكن من أجل الإجهاز على روح الثورة والتي كانت مصدرها الأساسي.

من أجل هذا الهدف، طوّرت الثورة المضادة ونشرت في المجتمع فلسفة خاصة بها. احتوت هذه الفلسفة ثلاثة مفاهيم أساسية وُظّفت كأدوات فكرية مضادة لروح الثورة. هذه المفاهيم تشمل مفهوم القيادة، ومفهوم الجهل، ومفهوم الواقعية.

مفهوم القيادة

من أهم الأدوات الفكرية للثورة المضادة مقولة أن من يُحقق آمال الشعب هو قائد مُلْهم وقوي وحكيم. وبوجوده ينتهي دور الشعب وكذلك دور الإنسان الثوري. وبوجود القائد ينتفي عن الإنسان العادي الشعور بأنّه هو صانع التاريخ، إذ يعود هذا الدور إلى القائد. ويتعاظم دور القائد بالتحديد في ظل ظروف تتميّز بغياب أو ضعف مؤسسات شرعية موازية له وكذلك بشعور، سواء حقيقي أو مُفبرك من وسائل الإعلام بانعدام الأمن مما يعزز من المناداة بقيادة شاملة وفاعلة. ومن العوامل التي تؤدي إلى بروز القائد بعد ثورة رفضت أصلاً أن يكون لها قائد، شعور بأن بعض الظواهر التي خدمت الثورة في أوجها، مثل الميليشيات في ليبيا، لم تعد تُعبّر عن الثورة وإنّما عن مطالب فئوية أو محلية أو سلطوية، رغم أنها في بدايتها كانت تعبيراً عما بدا كإجماع شعبي على الثورة. ورغم أحقيّة هذا الشعور في بعض الأحوال، من المهم هنا أن نلاحظ كيف أن الثورة المضادة توظّفه فقط لإبراز دور القائد المُنقذ، ومن أجل هذا تهاجم أية حلول أُخرى لمشاكل الثورة لا تتضمّن وجود القيادة المهيمنة والقادرة على لجم الجميع إذا اقتضى الامر. فالثورة المضادة تريد أن تقول للإنسان العادي أن التاريخ يصنعه العظماء وليس من هو من أمثالك. وتقول له: إن كنتَ قد شعرتَ بأهميتك وآمنتَ باستحقاقك للحرية والكرامة في بداية الثورة، يجب أن تنصاع الآن لمن يعرف أكثر منك، وأن تُودِع حريتك لديه، وفي المقابل ربما يُعطيك خبزاً وأمناً. وتقول له: إن بدا لك أنّك قد دمّرت النظام القديم آنذاك بيديك أنت، فاعلم الآن أن القائد المنُقذ المُخلّص هو من فعل بالنيابة عنك ما لم تكن أنت قادراً علية. وتقول في النهاية: اعلمْ أن المسؤول عن المجتمع هو القائد وليس الإنسان العادي، بغض النظر عن الحقيقة الأولى للثورة، وهي أن الانسان العادي قام بها في هذا الزمان لأنه شَعر بمسؤوليته المباشرة عن حال المجتمع، ولم يطلب من قائد مُلهم أن يقوم بالثورة نيابة عنة (كما فعل في زمن ماضٍ).   

القائد المُخلّص هو بالضرورة نقيض ونفي للإنسان الثوري العادي. الواحد منهما يأخذ مكان الآخر، فلا يجتمعان. ومما يجعل القائد المُخلّص كمفهوم مفيداً جداً للثورة المضادة أنه ينفي أهم المصادر النفسية للثورة، وهي الشعور بحق الإنسان العادي أن يتحرك كثائر، دون أن يؤمَر بذلك وبدون تعليمات فوقية. وبالإضافة الى ذلك يُلغي وجود القائد شعور الإنسان الثوري العادي بمسؤوليته عن الأمور العامة. وتنجح الثورة المضادة هنا عندما ينسى الإنسان الثوري العادي ما فعل ويركّز على إنجازات القائد، فينسى ما قدر عليه ويمارس شبه العبادة لقدرات القائد شبه الإلهية. وبوجود القائد ينتفي كذلك دور "الشعب"، الذي يتم تحويله من مشهد حراكي ديناميكي عام وملموس وذي روح جدالية نقدية، إلى فكرة مجرّدة لا حياة لها، تُوظّف بشكل ميكانيكي لتمجيد القائد والموافقة على كل ما يفعل.               

مفهوم الجهل

الثورة المضادة تُغذّي حركتها أيضاً من مقولة عن جهل عامة الشعب، وهي مقولة تتناقض تماماً مع ما قالته الثورة عندما كانت في أوجها وقالت بإرادة الشعب. تبدأ مقولة جهل الشعب في الظهور مباشرة بعد الثورة كأحد أساليب شرح الشروخ في معسكر الثورة. في بدايتها تَطرح مقولة جهل عامة الشعب نفسها كبديل كسول لتحليل ما يجب أن يُفهَم بشكل أعمق. إذ إن الخلافات في معسكر الثورة لا يمكن اختزالها كصراع بين عالِم وجاهل. ذلك أن ثورة قامت على أساس إجماع شعبي لا تقدر بطبيعتها أن تحافظ على هذا الإجماع في مجتمع متغاير ومتعدد المنابر، بدون جهود استثنائية وفهم مُتأنّ وكمّ كبير من رحابة الصدر خلال المرحلة الانتقالية (كما كان الحال بشكل عام في تونس). ولكن إذا استبدلنا الجهود الاستثنائية والفهم المتأنّي ورحابة الصدر بمقولة أن الشعب جاهل بشكل عام، فأننا نُعفي أنفسنا من مسؤولية محاولة فهم من نعتبره جاهلاً وبالتالي ليس كُفؤاً للحوار.

تبرز مقولة جهل الشعب أيضاً عندما يُلاحظ من يعتبر نفسة ثورياً أو مُتعلماً أو مُثقّفاً أن "الشعب" لا يتصرّف بالشكل المطلوب. مثلاً: الشعب يوافق في استفتاء حرّ على دستور مؤقّت فيه شوائب، أو ينتخب بكامل حريته قوىً سياسية يعتبرها من يعتبر نفسة مثقّفاً أو ثورياً رجعية ومتخلّفة. وهنا يبدأ هذا الإنسان الطليعي بالابتعاد عن الشعب وتحقيره، ويشك في المسار الديمقراطي لأنه يُنتج ما لا يُناسب الثورة كما هو يفهمها. وفي النهاية يتراجع عن تقدير شيء مُجرّد كان يسميه "الشعب"، ويقول لنفسة وربما لغيره أن غالبية الشعب جاهلة وأُمّية. ولذلك يشك هذا الطليعي في الشعب، وربما يعتبره قادراً على فهم بعض الثورة ولكن ليس كل الثورة: فمثلاً قد يفهم الخبز ولكن لن يفهم الحرية. ولذلك نأخذ منه الحرية التي في أية حال لا تُناسب من هو جاهل، ونعطيه خبزاً، فيقنع بهذا القدر من الثورة كما تقنع الحيوانات الأسيرة في حديقتها، لأنها على الأقل تأكل، وتنسى في المقابل حُريّتها المسلوبة. 

هذا الاحتقار للشعب والذي يبدأ بعض الثوريين بممارسته بعد المراحل الأولى للثورة تتلقفه الثورة المضادة الّتي تتبنّى سلفاً فرضيّة جهل الشعب. وهنا يلتقي الثوار والثورة المضادة رغم اختلاف الأهداف. وأعني بالثوار هنا من يرى نفسه طليعياً، أي يرى ما لا يراه العامة، بشكل يعفيه عن رؤية ما يرون، ويفرض عليهم رؤية ما يراه. وعندما لا يتّبع العامة هذه المعادلة، يقول الطليعي عنهم إنّهم جهلة وأُميّون. وهنا قد يرى هذا الإنسان الطليعي بعض الخير في الثورة المضادة، لأنها تقول علانية ما هو يعتقد. فهو يتنازل عن مفهوم الشعب الواعي والقادر عندما لا يفهم لماذا لا يصطف هذا الشعب حول ما يريده "الثوار" بدون نقاش، إن لم يكن جاهلاً وبالتالي غير مؤهّل للثورة. وهنا ينسى الإنسان الطليعي أن هذا الشعب "الأمّي الجاهل" هو من قام بالثورة ولم يكن للثورة قيامة بدونه. ويتغاضى عن حقيقة أن ليس لديه شعباً آخر. أمّا الثورة المضادة فلا ترى غضاضة في اتفاق الآراء بينها وبين بعض الثوار، لأنها تعرف أن الثورة لن تقوم لها قائمة إذا تمّ تجرّيدها من أهم أسلحتها، وهو مفهوم شعب ذي وعي وقُدرة. 
         

مفهوم الواقعية           

وكما هو الحال مع مفهوم جهل الشعب، يطرح مفهوم الواقعية نفسه كأداة للحوار بين الثوار أنفسهم في البداية، ثمّ توظفه الثورة المضادة لصالحها. فالثورة تنجح عادة في مراحلها الأولى بإنشاء نفسها كثورة بقدر ما تحصل على شبه إجماع شعبي عليها. ولكن الحفاظ على هذا الاجماع ليس سهلاً، فالإجماع ليس حالة دائمة وانما التقاء مؤقت لأساليب مُختلفة من الحياة وطُرق مُتغايرة من التفكير وأجندات متشعبة تلتقي هنا ولا تلتقي هناك. يصعب الحفاظ على هذا الإجماع في المراحل التالية للثورة، أي بعد نجاح الثورة في مراحلها الأولى، أي عندما يُطلب من الثورة تصوّر كيفية وماهية نظام مجتمع ما بعد الثورة. يعيد هذا الطَلب إحياء الأجندات المختلفة والتي كانت قد انصهرت مؤقتاً في وجه النظام القديم، حيث لم يكن مطلوباً من الثورة آنذاك الّا إسقاطه، بدون طرح مُفصّل لطبيعة ما قد يأتي فيما بعد.  

هنا تطرح الواقعية نفسها كمُسمّى لأحد مسالك الثورة. ويتميّز الاتجاه الواقعي بشكل عام بتفضيل التغيير التدريجي على نسف ما هو موجود والبدء ببنيان جديد. ولذلك يُفضّل الاتجاه الواقعي استعمال ما يُمكن استعماله من النظام القديم رغم شوائبه، والتصحيح بدلاً من التطهير، والتقليل قدر الإمكان من النزاعات حول المسار القادم، والبحث عن حلول وُسطى إن أمكن. وليس هناك شكّ أن الفكر الواقعي هو جزء من الثورة إبّان الثورة الشاملة، رغم أن هذا الفكر ليس ثورياً بطبيعته المعتادة. والمشكلة هنا لا تكمُن في الواقعية بحد ذاتها ولكن في كيفية تغلغل الثورة المضادة في جسد الثورة من خلالها. فكما هي الحال عندما تغزو الجسد طفيليات من خارجه ثم تعيش معه، يصعب بعض الأحيان تحديد الفرق بين ما هو طفيلي ومُدّمر للجسد وبين ما هو جزء منه ويساعده على التأقلم مع الواقع، بين ما دخل الثورة ليُجهز عليها وبين ما كان فيها منذ البداية كتصوّر تدريجي لطبيعة التغيير التاريخي. ولكن الفرق بين البرنامجين يصبح أكثر وضوحاً في حالة تشخيص المرض. فالثورة المضادة تُريد الإجهاز على الثورة بأكملها والعودة إلى النظام القديم وإن كان بأسماء وعناوين مُختلفة، بينما تُريد الواقعية الثورية تشخيصاً مُتأنياً يعيش مع الواقع ولكن يغيره تدريجياً إلى واقع آخر بأقلّ التكاليف. وبينما ترى الواقعية الثورية أن الثورة بحد ذاتها هي مختبر وعملية تجريبية يتعلم الإنسان ماهيتها وإمكانياتها من خلال ممارستها ويصحح مسارها حسب التجربة المتراكمة، ترى الثورة المضادة أن الثورة برمتها كانت خطئاً وأن "الواقعية" (من وجهة نظر الثورة المضادة) تعني الاعتراف بهذا الخطأ والعودة عنه إلى نظام قديم كانت معالمة على الأقل واضحة، بخلاف الثورة التي يجب أن يتخلّى عنها كل إنسان "واقعي" يحب أن يرى طريقاً واضحاً أمامه.              

تُشكّل هذه الثلاثية الفكرية ـ القائد، الشعب الجاهل، الواقعية ـ عماداً للثورة المضادة تفوق أهميته أضعاف ما تمتلكه الثورة المضادة من قدرات مؤسساتية. فالثورة المضادة تعلم تمام العلم أن القدرات المؤسساتية الهائلة للنظام القديم لم تمنع الثورة. وهنا تكتشف الثورة المضادة أهمية محاربة الثورة في عقر دارها، أي داخل نفسية الإنسان الذي قام بالثورة. ولذلك لا تأمن الثورة المضادة على نفسها إلا إذا أجهزت على روح الثورة داخل الإنسان. ولذلك تبدو الثورة المضادة أكثر شراسة من النظام القديم، لأنها لا تستطيع أن تتأكد من انتصارها على الروح بقدر يوازي تأكّدها من هيمنتها على مؤسسات السلطة في المجتمع. ففي زمن الثورة المضادة تختبئ الروح، لأن الثورة المضادة تبحث عنها في كل مكان كي تذبحها. ولذلك تلجأ الروح إلى أكثر المخابئ أماناً، فلا تجد أكثر أماناً من الذاكرة: ذاكرة الإنسان الذي تشبّع بروح الثورة في لحظة فاجأته بإمكانية ما لم يكن ممكناً، كأنها لحظة أتت من خارج الوجود المعتاد، ثم دخلت الذاكرة ومارست حياتها تحت الستار، منتظرة نهاية أُخرى لزمن رديء آخر. هناك تلجأ الروح كما يلجأ أهل الثورة إلى المنافي البعيدة، الى أن تعود كروح أقوى وأكثر نضجاً. وهنا يجب أن نتذكر أننا عندما نتكلّم عن "عودة الروح"، فإننا نتكلّم عن شيء مارس وجوده في زمن ما، وربما فاجأ نفسة بوجوده الذي لم يكن في الحسبان. ثم اختبأ في الذاكرة لأنه اكتشف أنه قد وُلد قبل الأوان. ثم عاد بعد أن جهّز بمعرفته الجديدة عالمه لعودته، وأصبح الزمان القادم زمانه.

  • ALSO BY THIS AUTHOR

    • The June Rebellion in Egypt

      The June Rebellion in Egypt
      Despite two and a half years of revolutionary experience, the rebels of June had no plan for the day after Morsi, just as they had no plan after Mubarak. One activist eloquently conveyed to me a typi
    • الديمقراطية التشاركية والثورات العربية

      الديمقراطية التشاركية والثورات العربية
      عندما طالبت الشعوب العربية باسقاط النظام هنا وهناك، لم يكن لديها تصوّر مُفصّل حول طبيعة نظام ما بعد الثورة تتعدّى كونة نظاماً ديمقراطياً يتميّز بالشفافية واحترام حقوق المواطن وانعدام الفساد والمسؤليّ
    • الشرعية الثورية: كيف تحل مكان شرعية القضاء والدستور؟

      الشرعية الثورية: كيف تحل مكان شرعية القضاء والدستور؟
      برز مفهوم الشرعية الثورية في الأيام الأولى للثورات العربية كتعبير عن إرادة شعبية موحّدة أو شبة موحّدة لأسقاط الأنظمة القائمة، بما فيها دساتير تلك الأنظمة وأي قانون يعترض طريق الثورة. والغريب في الأمر

بدرخان علي: "الانتخابات الحرّة" ليست شيئاً عظيماً، بعد خراب البلد

‫يأخذنا الباحث الكردي السوري بدرخان علي في هذه المقابلة في جولة نقدية حول الثورة السورية ودروبها المتشعبة، خصوصاً في المناطق ذات الأغلبية الكردية، التي تقع تحت سيطرة أحزاب كردية متعددة، تتضارب في المصالح والأهداف. ويتطرق إلى طبيعة العلاقة التي تربط حزب الإتحاد الديمقراطي PYD بالنظام السوري وبحزب العمال الكردستاني PKK في تركيا، وكذلك عن علاقة بقية الأحزاب الكردية بالسيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق. وهو إذ يصف نفسه هنا بـ "أكثر المتشائمين"، لا يرسم بطبيعة الحال، صورة وردية عن مستقبل سورية ما بعد الأسد، إلا أن مكاشفته القارئ تلامس حيزاً كبيراً من هواجس كل سوري ومخاوفه المستقبلية.

م.د: ثمة لغط كثير حول مطالب الأكراد، هل لك أن تضعنا بصورة تفصيلية وواضحة حول المطالب الكردية الحقيقية؟‬

ب.ع: قبل اندلاع الثورة السورية كانت مطالب الحركة السياسية الكردية ترد إجمالاً في صيغ "الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في إطار وحدة البلاد". وكان ثمة تشديد دائم على نفي تهمة الانفصال عن سوريا التي تلصق عادة بالحركة الكردية، وإبراز الدور الوطني للكرد في سوريا منذ الاستقلال حتى اليوم. وبالطبع التركيز على المظالم التي مورست بحق الكرد، مثل حرمان حوالي ربع مليون منهم من الجنسية السورية بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الخاص بمحافظة الحسكة، وحظر اللغة والثقافة الكرديتين إلى التمييز في سلك الديبلوماسية والجيش، وإقامة "الحزام العربي" في محافظة الحسكة.
بعد اندلاع الثورة وتشكيل المجلس الوطني الكردي (إئتلاف يضم معظم الأحزاب الكردية والتنسيقيات الشبابية الكردية) طرحت صيغة حق تقرير المصير في إطار وحدة البلاد، واللامركزية السياسية، ومن ثم الفيدرالية والدولة الاتحادية. يلاحظ أن هناك تصوّراً كردياً غالب أنّ الفرصة مواتية لانتزاع أكبر قدر من المطالب القوميّة بعد سقوط النظام الحاكم. وفي ظنّي هذا رهان كبير، ولا يخلو من قدر غير محسوب من المغامرة، ويحصر المسألة الكردية في السلطة الحاكمة أو شخص الرئيس. ويغفل معطيات وعوامل عديدة في المسألة القومية الكردية في بعدها السوريّ.

م. د: ما هي العوائق التي تقف في طريق المطالب الفيدرالية الكردية؟

ب.ع: الحقيقة أن هناك جملة عوامل جغرافية، سكانية، محلية، سياسية، إقليمية تطرّقت إليها في كتابات سابقة سوف تعترض صيغة الفيدرالية المطروحة بمجرد سقوط النظام، لا بل من الآن. وستضطر النخبة الكردية نفسها إلى مواجهة الواقع كما هو، لا كما تشتهي. حتى الآن رغم كل الاجتماعات واللقاءات والنقاشات، ورغم إلحاح الجانب الكردي، ورغم رغبة قوى المعارضة في ضمّ الأحزاب الكردية إلى صفوفها، لم تبد أية جهة سياسية سورية موافقتها على هذه المطالب الفيدرالية، أي أنه لم يمكن حتى الآن انتزاع "اعتراف وطني-عربي سوري" بالحقوق الكردية وفق ما تطرحها القوى الكردية. وهو الأمر الذي تسبّب به الطرف الكردي برفع سقف مطالبه خلال الثورة، وكذلك بعض الأطراف في المعارضة التي لا ترى في المطالب الكردية سوى مشكلة عابرة لا تحتاج سوى إلى كلمات عامة، ناهيك عن وجود تيار قوميّ- شوفينيّ بكل معنى الكلمة داخل صفوف المعارضة اليوم.

وهناك لا شك عوامل عديدة سوف تحدّ من بقاء سورية دولة مركزية متشددة، بالمعنى الإدراي الإقتصادي-الأمني، أي بصورة تتيح للأطراف والمحافظات ممارسة سلطات أوسع في نطاقها المحليّ. لكني أرى أن تصبح سورية دولة لامركزيّة سياسياً ودستورياً، أمراً بعيد الاحتمال.

خلال فترة قصيرة من الإضطراب والفوضى قد تمارس سلطات الأمر الواقع من جماعات مسلّحة وقوى سياسية قدراً من سلطة سياسية محليّة. لكن ليس على المدى البعيد وعلى نحو مستقرّ. من جهة أخرى يبقى الأمر مرهوناً بمآلات الحرب القائمة في البلاد، وكيف ستنتهي، والارتدادات الإقليمية للصراع السوري.

م.د: هل يخشى الأكراد من أن تدير المعارضة السورية العربية لهم الظهر حال سقط النظام، وما الضمانات التي تطالبون بها لمنع ذلك؟

ب.ع: بلى، هناك تخوّف من هذا القبيل، ويستند هذا الخوف إلى ميراث الاضطهاد والتهميش الذي مورس بحق الكرد بعد مشاركتهم الفاعلة في نيل استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي، كما يجري استحضار تجارب كردية خارج سورية وبشكل خاص المشاركة الكردية في معارك الاستقلال التركي ووعود كمال أتاتورك لهم بالحكم الذاتي والمشاركة في الدولة الجديدة، والتي أخلفها على الفور بعد نيل الاستقلال ومارس أشد السياسات عنفاً وشوفينية ضد الكرد في الجمهورية التركية التي سارت على نهجه في اضطهاد الكرد. كما مشاركة الكرد في "الثورة الإسلامية" في إيران عام 1979. وتهميشهم واضطهادهم بعد استقرار الحكم للملالي ورجال الدين. يعبّر أحياناً بعض الساسة الكرد عن ذلك، في لحظات الصراحة والوضوح، بالقول "لن نكون بندقية على كتف أحد" أو " ثوّاراً تحت الطلب". الثورة السورية أنعشت آمال الأكراد في سوريا في نيل حقوقهم، ودفعت النخب، باستثناءات قليلة، إلى رفع سقف مطالبها على شكل حكم قوميّ ذاتيّ موسّع (بصرف النظر عن التعبيرات)، من غير أن يطالب أحد بالانفصال عن سوريا. الضمانات المطلوبة المطروحة هي انتزاع اعتراف مسبق من الآن بتضمين الحقوق القومية الكردية، بالصيغة المطروحة، في الدستور القادم.

م.د: تحوّلت مناطق الأكراد إلى مناطق آمنة للاجئين السوريين من المناطق التي تعرضت لعنف النظام بعد احتضانها المعارضة المسلحة، فهل تضعنا في صورة الوضع الاقتصادي في تلك المناطق؟ وما صحة أن حزب العمال الكردستاني يدير الوضع الاقتصادي/ المعاشي بغض نظر من النظام؟

ب.ع: كان الوضع المعاشي في محافظة الحسكة ممكناً و مقبولاً، بشكل نسبي، حتى قبل بضعة أشهر وكان النازحون من المناطق السورية الأخرى يتمتعون بأمان. لكن مع اشتداد المعارك في المنطقة الشرقية والاشتباكات بين الجماعات المسلحة العربية والكردية في رأس العين (سري كانيه) والخراب في البنية الخدمية عموماً وحالة الفوضى وبروز العصابات التي تسطو على الشاحنات القادمة من حلب وغيرها، تدهورت الشروط المعيشية خاصة خلال الشتاء حيث البرد الشديد وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة و أيام متواصلة أحياناً. وبسبب إغلاق المنافذ بين المحافظة والجوار، التركي والعراقي، حيث المعبر بين قامشلي ونصيبين التركية مغلق، والمعبر بين اليعربية (تل كوجر) السورية وربيعة العراقية مغلق أيضاً، ورأس العين تشهد معارك، والسلطات التركية كانت تسمح فقط للمسلّحين والأسلحة بالدخول لمجموعات مسلّحة مدعومة منها على الأغلب، قامت حكومة إقليم كردستان العراق بإرسال معونات إنسانيّة مقدّمة باسم رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني، تتضمن محروقات ومواد أساسية لأهل المحافظة عبر معبر غير نظامي بين حدود إقليم كردستان العراق ومدينة ديرك (المالكية) الكردية السورية، ودون موافقة الحكومة المركزية في بغداد. وكذلك السماح بإدخال معونات مقدمة من المواطنين وجمعيات وقوى سياسية عبر الإقليم. وقد شكّل هذا المعبر شريان حياة صغير للمنطقة ومازالت بعض المواد الأساسية ترد عبره. أما في المناطق الكردية الأخرى شمال حلب والرقة فالوضع هناك أسوأ، حيث منطقة عفرين مثلا (شمال حلب) محرومة من أية مساعدات إنسانية من الجهة التركية.

م.د: في مؤتمر القاهرة الذي أعد لوحدة المعارضة، حصل في نهايته خلاف عربي- كردي أرخى ظلالاً سيئة على العلاقة العربية الكردية عموماً وعلى وحدة المعارضة السياسية. هل ترى أن الخلاف بين العرب والكرد هو خلاف عميق الجذور من الصعب تجاوزه على المستوى السياسي فحسب، أي أنه عمودي، أم أنه خلاف مرهون بوجود الاستبداد ويزول بزواله؟

ب.ع: لا أودّ الحديث غير الواقعي بالتهويل عن متانة الوحدة الوطنية وإطلاق الشعارات الجميلة. وكما بيّنت في سؤال سابق، مشكلة الكرد وحقوقهم ليست مرهونة فقط بالنظام الحالي، ولا بالطبقة الحاكمة وحسب، حتى يكون إسقاطهما حلاً ناجزاً للمسألة الكردية. بالتأكيد، الاستبداد المديد، وثقافة حزب البعث القومية، وتغييب الحياة السياسية والحريات العامة أسهم في تعقيد القضية الكردية. كما أن تطورات المسألة الكردية في الجوار الإقليمي تلعب دوراً مؤثراً على الحركة الكردية في سوريا.

لكن الفرق الأساسي هو بين رؤيتين أساسيتين (مع استثناءات وتدرّجات في الجهتين): الكرد باتوا ينظرون إلى سوريا من منظورهم الكرديّ الخاص (ولذلك أسباب ومعطيات) أكثر من أي وقت مضى، أي كشعب ضمن شعب وإقليم ضمن دولة، وتحضر هنا تجربة كردستان العراق في المخيلة السياسية، في المقابل ينظر عموم السوريّون إلى الكرد من منظور عام، "الوحدة الوطنية" و"الشعب الواحد" و"أسنان المشط".

في تقديري: الواقع الذي سيفرز بعد سقوط النظام ونتائج الحرب المستعرة حالياً، والمخاض الإقليمي جراء الوضع السوري المتفجّر، والجدل القائم حول البدء بحل ما للقضية الكردية في تركيا وما سيتمخض عن ذلك، سيكون له دوراً كبيراً في تقرير حدود الحلّ السوري للمسألة الكردية. أي موازين القوى ومعادلات القوة الناتجة. الشعارات من الطرفين (سلباً أو إيجاباً) لن تفيد كثيراً، ولا "التطمينات" المتبادلة. رغم أهمية التواصل الأهلي وضرورة التنسيق بين المكونات الاجتماعية في المناطق المتداخلة من أجل تجنب الصراعات الأهليّة.

م.د: ثمة كثير من الأساطير تحاك حول حزب الاتحاد الديمقراطي (الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني) بين من يرى أنه يعمل لحساباته الخاصة مستغلاّ التحولات الحاصلة في سوريا والمنطقة، وبين من يرى أنه أداة بيد النظام السوري، وبين من يرى أنه يتحاور مع أنقرة من تحت السطح. كيف تقرأ واقع هذا الحزب الإشكالي في الانتفاضة السورية؟

ب.ع: القسط الأكبر من "الأساطير" التي تقال عن حزب الاتحاد الديمقراطي ( pyd) تعود إلى سياسته وسلوكياته بالطبع، لا إلى اتهامات من الآخرين. فالواقع أن سياسة الحزب في سوريا خاضعة تماماً للأجواء التي تسود العلاقة بين قيادة حزب العمال الكردستاني، خارج سوريا، والسلطة السورية. ولو قارننا مثلاً موقف الحزب في انتفاضة قامشلي 2004 مع موقفه الحالي لتوصلنا إلى ذلك. ففي العام 2004، كانت علاقة الحزب قد تدهورت مع دمشق بعد طرد زعيم الحزب السيد عبدالله أوجلان، من الأراضي السورية عام 1998 وتوقيع الاتفاقية الأمنية بين دمشق وأنقرة، التي تسمح لتركيا بالتوغل داخل الأراضي السورية لملاحقة مقاتلي الحزب. ورغم أن النظام السوري كان أقوى بكثير في 2004، ورغم أن الكرد كانوا معزولين عن بقية السوريين وفي المواجهة لوحدهم، كان حزب الاتحاد الديمقراطي، وإعلامه خصوصاً، يمارس تجييشاً كبيراً وتحريضاً غير مسبوقاً ضدّ النظام السوري، وبإغفال تام لإمكانات الكرد ومقدرتهم على خوض ثورة مستمرّة ضد النظام. إلا أن ذلك كان مطلوباً حينذاك من قبل قيادة حزب العمال الكردستاني للضغط على النظام السوري.

أما في الثورة السورية الراهنة، فنلاحظ لغة سلميّة غير مألوفة منهم تجاه النظام السوري، وبات الشباب المحتجّون ضد النظام السوري عملاءً لأردوغان!
لا أرى أن حزب العمال الكردستاني أداة بيد النظام السوري. إلا أن هناك استفادة متبادلة بين الطرفين. النظام السوري يستفز تركيا عبر الورقة الكردية مجدداً، ويسمح لقادة حزب الاتحاد الديمقراطي، واللجان الشعبية التابعة له، بالنشاط المستقل تماماً عن الحراك الثوري في البلاد، والكابح له في المناطق الكردية. من جهة أخرى، ازدادت وتيرة العمليات الهجومية لحزب العمال الكردستاني وشدّتها ضدّ الجيش التركي خلال فترة الأزمة السورية في خطوة أعادت إلى الأذهان الدعم الذي كان يتلقاه الحزب سابقاً من النظام السوري.

م.د: أين يكمن الانعكاس السلبي للحزب على القضية الكردية، خاصة أن هناك من يقول أن الحزب يعمل لاستغلال الأوضاع الحالية للهيمنة على الداخل الكردي لفرض رؤيته القومية؟

ب.ع: ليس من خطأ شنيع ارتكبه الحزب في سوريا بقدر محاولة فرض هيمنته الحزبية على الساحة الكردية، ولو كان ذلك بالعنف الصريح، والاعتداء الجسدي. وهذه، كما نفترض، وسائل غير مشروعة للعمل السياسي والدعاية السياسية ونيل الهيبة الحزبية. الشهوة للسلطة والتلهّف المبكر لها وللتسلّط، كان وراء كل الممارسات الطائشة والقمعيّة للحزب بشكل أضرّ به أيضاً، ووضعه في موقع حرج. كل ما عدا ذلك يخضع للنقاش والاختلاف.

لذلك لست مع نظرة تقول أنه بمجرد سقوط النظام السوري سوف تتوقف هذه الممارسات، بافتراض أن ذلك يجري خدمة للنظام السوري وبأوامر منه. موضوع حزب الاتحاد الديمقراطي وتشابكه مع وضع الـ (ب ك ك) في تركيا معقّد بعض الشيء. وهناك ثقافة قمعيّة ذاتية، وتربية شمولية، و"عبوديّة طوعيّة"، أي لا علاقة مباشرة لها بالموقف من النظام السوري، قد تستثمر في أية لحظة، والقاعدة الشعبية جاهزة للتلبية والتصفيق بطبيعة الحال، وللهجوم أيضاً.

م.د: الحوار بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة الجاري الآن، هل تعتقد أن يكون له انعكاس على الداخل السوري وتوازن القوى، أي هل يمكن أن يبيع الحزب النظام السوري؟

ب.ع: بلا شك، سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي يخضع بشكل مباشر لتأثير الحزب الأم (العمال الكردستاني. ما تزال المفاوضات في بدايتها وغير معلنة للرأي العام، سوى تسريبات من هنا وهناك. ولا نعلم كيف ستسير. وإذا ما قيّض لها النجاح بعد فترة، رغم الصعوبات الكبيرة والجمّة والملفات المرتبطة، سوف يلقى الأمر بظلاله على سياسة الاتحاد الديمقراطي في سوريا. أكبر تأثير إيجابي قد نجنيه في سوريا هو إعادة الاعتبار للسياسة والعقل، والعمل لمصالح الكرد السوريين أنفسهم، وتصالح أنصار حزب العمال الكردستاني السوريين أنفسهم مع مكانهم الواقعي والمحيط المعاش. وربما خلاص باقي أطراف الحركة الكردية من الابتزاز المزمن لحزب العمال الكردستاني.فحتى اليوم لم تكن قضايا الكرد السوريين أنفسهم على رأس أولويات المناصرين للـ pkk، لا قديماً ولا الآن.

م.د: في رأس العين، وبعد اقتتال بين الطرفين، عقد الجيش الحر وحزب الاتحاد الديمقراطي اتفاقية وشكلوا معاً "لجنة حماية السلم الأهلي والثورة". هل يمكن لهذا الأمر أن ينجح رغم الإيديولوجية المختلفة لكل منهما، والأجندة الخارجية المتضاربة لكل منهما أيضا؟

ب.ع: التفاهم الذي جرى في رأس العين (سري كانيه) كان بين وحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي وتشكيل عسكري تابع لـ"الجيش الحر" والإئتلاف الوطني السوري، هو المجلس الثوري العسكري في محافظة الحسكة. ووقع هذا التفاهم بعد زيارة وفد برئاسة المعارض ميشيل كيلو ودعوات عدة من "الهيئة الكردية العليا" وقوى المعارضة وقيادة "الجيش الحر" لوضع حد للمعارك والاقتتال الدائر في رأس العين والذي تسبب بتشريد ومقتل الكثير من أبناء المنطقة ونهب البيوت.

لكن على الفور قامت جهات عديدة بمهاجمة الإتفاق، لا سيما ذات النزوع القومي- الطائفي مثل "جبهة تحرير الفرات والجزيرة" التي يقودها السيد نواف راغب البشير المدعوم من تركيا، والذي يضمر بعض رواسب النزاعات القبلية التي تعود للخمسينات بين عشيرته- البكارة- وبعض العشائر الكردية. ولم يعد يخفي السيد نواف البشير ميوله المعادية للأكراد. إلا أن المفاجأة كانت حين هاجم الجنرال سليم إدريس، رئيس أركان "الجيش الحر" التابع للإئتلاف الوطني الاتفاقية واعتبرها لاغية. من هنا لا أظن أن الصراع انتهى. إذ قد يتجدد بأشكال أخرى وفي منطقة أخرى.

م.د: في البيت الداخلي الكردي هناك طرفان أساسيان: المجلس الوطني الكردي المدعوم من أربيل ويحظى بشرعية دولية وعلاقات دولية مقبولة مقابل ضعف سيطرته على الأرض، والاتحاد الديمقراطي المدعوم من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل والمفتقد لشرعية وغطاء دولي في حين لكنه يمسك بالأرض. هل ترى أن الاتفاق الذي وقعه الطرفان في أربيل وأسفر عن تأسيس "الهيئة الكردية العليا" هو اتفاق حقيقي، أم أنه اتفاق هش أو "زواج مصلحة" ولا يمكن التعويل عليه؟

ب.ع: الاتفاق بين الطرفين الكرديين جاء من أجل تطويق مخاطر حرب كردية-كردية ، حيث بلغت الرغبة لدى الطرف المهيمين على الأرض إلى إقصاء غيرهم بالعنف وفرض هيمنتهم القسرية بطريقة هستريائية، وممنهجة. إنه اتفاق أمر واقع وتجنباً لإراقة الدماء. خلاصة الاتفاق هو أن حزب الاتحاد الديمقراطي استطاع انتزاع الاعتراف الرسمي بكونه "الحزب القائد" عملياً، وهو كان مستعداً لإشعال حرب أهلية كردية من أجل تحقيق هذا الاعتراف، في مقابل إزاحة شبح الاقتتال الكردي- الكردي بعض الشيء. من هذه الزاوية المهمة نال تشكيل "الهيئة الكردية العليا" ارتياحاً كبيراً في الوسط الكردي، رغم الملاحظات العديدة. فالمسؤولية الوطنية والقومية اقتضت تنازلاً سياسياً من قبل الأطراف الكردية تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي في هذه المرحلة الحساسة والحرجة.

م.د: من المعلوم أن إقليم كردستان برئاسة مسعود البرزاني يدرب جنودا أكراد انشقوا عن الجيش السوري، وهناك من يقول أن تدريب هذه الفرقة العسكرية يأتي في إطار إعداد ذراع عسكرية للمجلس الوطني الكردي لمواجهة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر على الأرض. ما رأيك؟

ب.ع: حسب معلوماتي هي قوة عسكرية قليلة العدد مؤلفة من الجنود السوريين المنشقّين من الرتب الدنيا والمطلوبين للخدمة العسكرية، إذ لا يوجد أكراد برتب عالية في الجيش السوري، لكن بسبب الضجة الإعلامية التي أثيرت، يتوقع المرء أنه جيش كبير كأيّ جيش نظامي.

السيد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، لم يعرض على المجلس وطني الكردي تبني تلك القوة العسكرية الموجودة في كردستان العراق ولم يعرض إرسالها إلى سورية في أي لقاء مع قيادات المجلس في أربيل، حسبما سمعنا. لكن بالطبع، فور تداول الخبر حول إحتمال عودة الجنود المنشقين المتدربين في كردستان العراق إلى مناطقهم في سوريا، أعلنت قيادات الاتحاد الديمقراطي علناً رفضهم لقدومهم وعدم السماح بدخولهم، والتهديد بمقاومتهم أيضاً بحجة أنّ هذا الأمر سيكون سبباً لاقتتال داخلي كردي. و في هذا هم يتكلمون صحيحاً. إذ لا يمكن أن يرضى "الحزب القائد" بأي شيء يحد من نفوذه، ولو كلف ذلك اقتتالاً كردياً كردياً.
بغياب مركز قرار سياسي كردي موحّد هناك خطر كبير بالفعل من وجود قوتين مسلّحتين مختلفتين في نفس المنطقة.

م.د: بالإطار الأوسع، أي بما يتعلق بسوريا ككل، نقرأ لك انتقادات حادة أحياناً للمعارضة "الراديكاليّة" كما تسميّها. برأيك أين أخطأت المعارضة السورية في تعاملها مع الانتفاضة السورية؟

ب.ع: مع أنه أصبح النقاش حول هذا الموضوع بلا فائدة عمليّة بعد حصول ما حصل وخراب البلد، لكن للتوثيق والتاريخ فقط، يمكن القول أن الخطأ الجوهري الأساسي كان منذ الأسابيع أو الشهور الأولى للانتفاضة. أما الآن فلم يعد بمقدور أحد السيطرة على الوقائع على الأرض، بعد أن أصبح البلد كله مستنقعاً من الدماء و الدمار، وخرج الأمر من سيطرة المعارضة السياسية نفسها. بدون الدخول في التفاصيل أقول: أخفقت المعارضة السورية التقليدية والجديدة في تقدير قوّة النظام السوري و تماسكه، وبالتالي وقوعها في فخّ "الوهم البصريّ" الذي أشاعته الميديا من خلال نمذجة انتفاضتي تونس ومصر عربيّاً؛ أي أن كلّ نظام عربي يلزمه بضعة أسابيع ليسقط. هذا قبل أن تتحوّل بعض الفضائيات العربية المعروفة إلى منبر للمعارضة السورية الراديكالية، التي كانت تدفع الشباب المتحمس والثوار في الداخل إلى مزيد من الحماس، بل إلى التهوّر، وتقوم بتزيين ذهاب زهرة شباب سوريا إلى دورة العنف الجهنميّ و"محرقة" النظام. كما أخفقت المعارضة في البناء على شيء مهم وأساسي تحقّق فعلاً بعد انتفاضتي تونس ومصر هو عودة السوريين إلى السياسة والشأن العام. الأمر الذي غيّب لعقود في "سوريا الأسد".

كانت هذه فرصة تاريخية لا تعوّض ومكسباً كبيراً بالنسبة لشعب كالشعب السوري غيّب عن السياسة والشأن العام تحت حكم ديكتاتورية شنيعة. بيد أن المعارضة الراديكالية ولأسباب مختلفة أحياناً (الإخوان المسلمين في الخارج، الذين وجدوا أنفسهم أمام فرصة مؤاتية للانتقام من النظام، و النشطاء السياسيين، من المعتقلين السابقين الذين ذاقوا الويلات في سجون النظام ،من بعض التنظيمات اليسارية والقومية، وبعض الشباب المتحمّس قليل الخبرة السياسية) وجدت في ذلك فرصة للذهاب إلى أقصى المطالب فوراً ظناً أنه "أقصر السبل". من هنا تفرّعت كلّ المشكلات برأيي.

لا أغفل أننا لسنا في لعبة شطرنج، نختار ما نشاء من خطط وحركات. ونهمل أشياء أخرى، ولسنا في شروط صحيّة تسمح لنا بالتفكير البارد، ولا الواقع يسير بناء على تفكيرنا وبرامجنا. غير أنه كان للحسابات الدقيقة والمدروسة في بداية الانتفاضة أن تنقذ السورييّن من هذه الكارثة الإنسانية التي يعيشونها منذ سنتين، أو تقلّل من حجمها وعمقها. لا ننسى بالطبع أن رعونة النظام ووحشيّته اللامحدودة تتحمل المسؤولية الكبرى عما جرى وما سيجري لاحقاً. ليس من خلاف كبير حول تشخيص النظام، كونه أكبر عصابة منظّمة ومسلّحة ومستولية على مقدرات البلد. الخلاف هو حول سبل المواجهة و الحلول، والخسارة والربح. وأصارحك أنني لا أعرف شيئاً في العالم يستحق كل هذه التضحيات العظيمة بما فيها "الديمقراطية". لا شيء خلف التلّة. "الانتخابات الحرّة" ليست شيئاً عظيماً، بعد خراب البلد.

م. د: كيف تقرأ المستقبل السوري إذن؟

ب.ع: ليس مبشّراً على أية حال، حتى وفق أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، إن بقي هناك متفائلون أو سيناريوهات لحلول قريبة. ليس هناك حل سياسي متوقّع للاستعصاء السوري الدموي. ولا حسماً عسكرياً قريباً. برغم رفع درجة التمويل العسكري للجماعات المقاتلة، في الآونة الأخيرة، بدرجة غير كافية للحسم. ولا ترضى أميركا بحسم سريع. بل نتوقع اشتداد ضراوة المعارك وازدياد منسوب العنف وضحاياه.

وهذه ليست مهمة أميركا ولا أوربا على أية حال. ولا يمكن لومهم أيضاً، إذ ليس من مهمة الأميركان وغيرهم إحصاء عدد القتلى السوريين. هناك أشياء واقعيّة أهم بكثير: أمن إسرائيل، خطوط الطاقة في الشرق الأوسط، الاقتصاد الأميركي، إيران وملفها النووي، التنظيمات الجهادية المعادية لها، الخ…

كان أكثر المتشائمين، مثلي، يقول أن النظام السوري لن يسقط إلا بسقوط الدولة بأكملها معه. الآن نحن أمام حالة رهيبة وأشد خطورة: انهيار الدولة وبقاء السلطة! حتى في المناطق المحرّرة (الأدق أن نقول مناطق منكوبة) والتي تغيب فيها الدولة تماماً بأبسط أركانها (ماء، خبز، كهرباء، وقود) هناك "حضور" ما للسلطة بشكل متقطع: صواريخ السكود وطائرات الميغ بين الفينة والأخرى!
أن نقترب من سقوط السلطة الحاكمة لا يعني أن أهداف الثورة قد تحقّقت. فور سقوطها (لا أدري متى) سوف يتعيّن على السوريين إعادة بناء الدولة نفسها، ولملمة أشلاء المجتمع المحطّم، ولن يكون الأمر سهلاً في أي حال من الأحوال. بعد ذلك يمكن الحديث عن إمكان (فقط إمكان) تحقيق الديمقراطية، والحريات والعدالة وحكم القانون ودولة المؤسسات.
وفي ظني أن لحظة سقوط بشار الأسد وسلطته الفاشيّة لن تجلب للسوريين تلك السعادة المتوقعة، بمن فيهم من ضحّى أكثر وفقد أعزّاء من أسرته أو شرّد من بيته على يد هذه السلطة. هي لحظة عابرة وسنفتح أعيننا جميعاً على خرابٍ عميم، وسيتساءل كثيرون: أمن أجل هذا قُتِل أولادنا، وهُجّرنا وشُرّدنا ودمّرت بيوتنا؟.

*بدرخان علي: اسمه الأصلي "آزاد علي"، كاتب وباحث سياسي سوري، من مواليد مدينة القامشلي 1978. درس في جامعة حلب، كلية الطب البشري، وتخرج عام 2004، ومقيم منذ العام 2010 في السعودية. يكتب بدرخان علي في صحف كردية وعربية عديدة حول الشأن الكردي و السوري وقضايا فكريّة تتعلّق بالعلمانيّة والديمقراطيّة. شارك في الكتابة في أول المواقع الكردية في سوريا "موقع عامودا"، وفي العام 2005 انضم لأسرة تحرير مجلة "الحوار"، وهي فصلية ثقافية كردية تصدر باللغة العربية تهتم بالشؤون الكردية وتهدف إلى تنشيط الحوار العربي الكردي، تطبع وتوزع سرّاً منذ عام 1993. يقوم حالياً بإعداد كتاب عن المسألة الكردية في سوريا، يتضمن سجالات مع مثقفين وسياسيين عرب وكرد.


[ نشر الحوار في موقع "مراسلون" Correspondents.org وتعيد “جدلية” نشره]‬
‫ ‬